شكيب أرسلان

301

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية

وانظر إلى ما سبق لنا من الكتابة في شأن المرابطة بالأندلس ، وذلك في خلاصة تاريخ الأندلس التي علقناها على رواية « آخر بنى سراج » وهو ما يلي : الفصل الخامس في ذكر مشيخة المرابطين والغزاة من الاسلام والنصرانية كانت الثغور منذ القديم مواطن الأمم المتناظرة ، ومواقف الأقران من حماة الأقوام المتبارزة ، وكماة الشعوب المتحاجزة ، ومقامات صدق المجاهدين ، ومظان النخوة الجائشة بالرءوس ، للذب عن العرض والدين . ومنذ ظهرت دولة الاسلام ، بما شرع فيها من الجهاد ، لم تبرح مرابطة الثغور ، ومحافظة الدروب ، وبعوث الصوائف ، من أركان الملة ، وقواعد الدولة ، وأعمدة سرادق الخلافة ، يتنافس في الوفاء بها ، والقيام عليها ، الأطول يدا ، والأبعد هما ، والأشد عزمة ، والأنأى في المجد غاية ، من خلائف الاسلام وسلاطينه ، وأمراء التوحيد وأساطينه ، ممن رفعوا في تعزيز الملة ، وإجابة داعى الجنة ، شأن الجهاد ، ولم تزل آثار مساعيهم ظاهرة بهذه البقية من البلاد ، فإن كان للاسلام لواء خافق فوق رؤوس بنيه ، فهو بقية ما عقد بأيدي الغزاة والمجاهدين ، وإن كان تحت أقدامهم مواقع للامتناع ، فهي نتيجة مواقع السيوف من رقاب المناهدين . ولما كانت الجزيرة الأندلسية بموقعها من الاتصال ببر العدوة الأوربية . والموازاة لبر العدوة المغربية غير منفصلة عنه إلا ببحر الزقاق ، الذي يتراءى الساحل من ورائه تعد ثغر الثغور بين البرين الكبيرين وموطن الرباط ، ومعترك الثقاف من العنصرين العظيمين استمر الجهاد فيها نيفا وثمانمائة سنة ، بين حماة الحنيفية والنصرانية منازعة الأرض بالشبر ، فلما كان الاسلام هناك في عنجهيته ، والعرب تترامى إلى الأندلس للاعتمار من جميع الأقطار ، قد عصفت ريحهم بأمم الفرنج ، واجفلت هذه بين أيديهم ، وانهزمت من أوجههم ، وانتظمت في أثناء ذلك دولة بنى أمية في ذلك الصقع أعظم ما كان العرب نضارة ، وأكمل عزا ، وأبعد في العدو مغارا ، مضت على